عبد الرحمن السهيلي
52
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
حديث النضر بن الحارث وبعض أخبار الفرس : فصل : وذكر حديث النضر بن الحارث ، وما نزل فيه من قول الله تعالى : « قالوا أسَاطِيرُ الأَوَّلين » واحد الأساطير : أسطورة كأحدوثة وأحاديث ، وهو ما سطره الأولون ، وقيل : أساطير : جمع أسطار ، وأسطار جمع : سطر بفتح الطاء ، وأما سطر بسكون الطاء ، فجمعه : أسطر ، وجمع الجمع : أساطر بغير ياء ، وذكر أن النضر بن الحارث كان يحدث قريشاً بأحاديث رستم وإسفندياذ ، وما تعلم في بلاد الفرس من أخبارهم ، وذكر ما أنزل الله في ذلك من قوله ، وقد قيل فيه نزلت : « ومَن قال سَأُنْزِلُ مثلَ ما أنزل اللّه » الأنعام . وأما أحاديث رستم ، ففي تاريخ الطبري أن رستم بن ريسان كان يحارب كي يستاسب بن كي لهراسب ، بعدما قتل أباه لطراسب ابن كي أجو . وكي في أوائل هذه الأسماء عبارة عن البهاء ، ويقال : عبارة عن إدراك الثأر ، ويقال لهؤلاء الملوك : الكينية من أجل هذا ، وكان رستم الذي يقال له : رستم سيد بني ريسان من ملوك الترك ، وكان كي يستاسب قد غضب على ابنه ، فسجنه حسداً له على ما ظهر من وقائعه في الترك ، حتى صار الذكر له ، فعندها ظهرت الترك على بلاد فارس ، وسبوا بنتين : ليستاسب ، اسم إحداهما : خمانة ، أو نحو هذا ، فلما رأى يستاسب ألا يدين له بقتالهم أطلق ابنه من السجن ، وهو إسفندياذ ، ورضي عنه وولاه أمر الجيوش ، فنهد إلى رستم ، وكانت بينهما ملاحم يطول ذكرها ، لكنه قتل رستم ، واستباح عساكره ، ودوخ في بلاد الترك ، واستخرج أختيه من أيديهم ، ثم مات إسفندياذ قبل أبيه ، وكان ملك أبيه نحواً من مائة عام ، ثم عهد إلى بهمن بن إسفندياذ ، فولاه الأمر بعد موته وبهمن بلغتهم : الحسن النية ، ودام ملكه نيفاً على مائة عام ، وكان له ابنان : ساسان ودارا ، وقد أملينا في أول الكتاب طرفاً من حديث ساسان وبنيه ، وهم الساسانية الذين قام عليهم الإسلام ، ورستم آخر مذكور أيضاً قبل هذا في أحاديث كي قباذ ، وكان قبل عهد سليمان ، ثم كان رستم وزيراً بعد كي قباذ لابنه كي قاووس ، وكانت الجن قد سخرت له . يقال إن سليمان أمرهم بذلك ، فبلغ ملكه من العجائب ما لا يكاد أن يصدقه ذوو العقول لخروجها عن المعتاد لكن محمد بن جرير الطبري ذكر منها أخباراً عجيبة . وذكر أنه هم بما هم به نمروذ من الصعود إلى السماء ، فطرحته الريح ، وضعضعت أركانه ، وهدمت بنيانه ، ثم ثاب إليه بعض جنوده ، فصار كسائر الملوك يغلب تارة ، ويغلب بخلاف ما كان قبل ذلك ، وسار بجنوده إلى اليمن فنهد إليه عمرو ذو الأذعار ، فهزمه عمرو ، وأخذه أسيراً ، وحبسه في محبس حتى جاء رستم ، وكان صاحب أمره ، فاستنقذه من عمرو ، إما بطوع ، وإما بإكراه ، ورده إلى بلاد فارس . ولابنه شاوخش مع قراسيات ملك الترك خبر عجيب ، وكان رستم هو القيم على شاوخش والكافل له في صغره ، وكان آخر أمر شاوخش بعد عجائب أن قتله قراسيات ، وقام ابنه كي خسرو يطلب بثأره ، فدارت بينه وبين الترك وقائع لم يسمع بمثلها ، وكان الظفر له ، فلما ظفروا رأى أمله في أعدائه ما ملأ عينه قرة ، وقلبه سروراً زهد في الدنيا ، وأراد السياحة